jueves, octubre 09, 2008

ليس على الحقيقة إلا الله.. عبد اللطيف شهبون

ليس على الحقيقة إلا الله..


1

عبد اللطيف شهبون
عبد اللطيف شهبون

القلب أساس ومفتاح..
عقل الإنسان موضع العلم، وقلبه موطن العلم اللدني أو الفتح الرباني
من هذا المنطلق يجمع أحمد زرّوق البرنسي الفاسي (ت899هـ) بين معرفتين، فقهية وصوفية في عروة كتابه «قواعد التصوف»، الذي ينصرف الحديث فيه بالكلية إلى القلب باعتباره أساسا ومفتاحا، القلب الذي تحل فيه الحياة فتدعوه إلى النهوض عند المذاكرات..
وأحوال القلب ـ كما يرى زرّوق ثلاثة: صحة في الحياة وفصاحة في الخطاب.. موت لا يقبل التذكير ولا التنبيه.. وعلة نتيجة اعتراضات وأعراض تشعر صاحبها ألما يضعه في أفق انتظار يقوده إلى شفاء واستقامة..
يبسط زرّوق ـ وهو القارئُ الشارحُ المعلمُ المفتي الشيخُ المرشدُ ـ صنوف علاج القلوب بالاستناد إلى الحكم الصوفية.. وفي كل فقر الكتاب معان ودلالات وفيض حكمي تجبر المطالع على التوقف والاستيقاف..

2

تعدد الحسن يقتضي تعدد الاستحسان..
.. من هذه الفكرة يشقّقُ زرّوق كلامه حول ماهية التصوف واتساعها حدّ أن كل ممارسة فيه هي ذات أصل يؤوب إلى نسق أو منظومة جامعة لواؤها التسامح الفكري وقبول الاختلاف، مادام أن تعدد وجوه الحسن في صورة أو مادة تقتضي تعدد أوجه الاستحسان، فللعامي تصوف (حوته كتب المحاسبي) وللفقيه تصوف (رامه ابن الحاج في مدخله) وللمحدث تصوف (حام حوله ابن العربي في سراجه) وللعابد تصوف (دار عليه الغزالي في منهاجه) وللمتريض تصوف (حواه الغوث والإحياء) وللمنطقي تصوف (نحاه إليه أبي سبعين في تأليفه) وللحكيم تصوف (أدخله الحاتمي في كتبه) وللأصولي تصوف (قام الشاذلي بتحقيقه) وهكذا تعدد الحسنُ والاستحسانُ..
3

تواضع جمٌّ..
نشأ زرّوق يتيما.. مهيض الجناح.. لكنه فرّغ وقته للدارسة والتحصيل.. واتسمت حياته ظاهرا وباطنا بتواضع جم.. ونموذج ما يستفاد من منحاه السلوكي وخبرته العلمية في هذا الباب ما كتبه في عتبة ذيل بها كتابه تحفة المريد.. قال زرّوق:
«.. فوالله الذي لا إلاه إلا هو، لقد تعديت في ارتكاب ما ارتكبت، وأخطأت في ما ادعيت وانقلبت.. وإنما الحامل حب الرئاسة وقوة شيطنة، فعلى الناظر في هذا الجزء أن يتبع مسائله بالنقد والبحث ـ إن أمكنه ـ حتى يستخرج مكامنه، وينظر فيه بعين الإنصاف.. فإن أكثره منقول بالمعنى، فانظروا قبحي ولا تظنوا ارتكابي لهذا الأمر من غزارة علمي بل هو من سوء فعلي وتكلفي ماليس من شأني..»
4

عقل نموذجي..
خلف زرّوق مؤلفات عدة في الحديث والرحلة والطب والدراسات القرآنية والفقه والتراجم والتصوف.. ومن هذا الأخير: «إعانة المتوجه المسكين إلى طريق الفتح والتمكين» و«إعراب: إن لم أجد إلا هي..» و«شرح أبيات: تطهّر بماء الغيب» وشروح الحكم العطائية وكتاب السماع وكتاب المحبة والكلام عن أنواع أهل الخصوصية والنصيحة الكافية لمن خصه الله بالعافية وشرح نونية الششتري وشرح حزب البحر للشاذلي وشرح حزب البر للشاذلي ومؤلفات أخرى عديدة يدخل جلها في حكم المفقود أو الدفين أو المشتّت
5

ليس على الحقيقة إلا الله

وفي كتابه الأساس: «إعانة المتوجه» صورة واضحة لهذا العالم المتصوف الممتلك لعقل نموذجي ديباجة ونظاما وبنية عنوانية مرشدة ومعينة في ثوب لغوي جميل.. فحينما يعرض مواقف السالكين يحددها في ثلاثة
ـ توبة هي بداية الطريق بالتخلي
ـ استقامة إزاء الخالق والمخلوقين بالتحلي
ـ تحقيق وعرفان.. وترق في مقامات الإحسان بالتجلي
ثم يربط ذلك بمراحل حياة الإنسان: ماض يحيل على واجب التوبة وضرورتها. وحاضر يبين معنى الاستقامة وطريقها. ومستقبل يهيئ القلب لتلقي المعرفة اللدنية ـ بعدما تمت التوبة وتأكدت الاستقامة ـ إذ ليس على الحقيقة إلا الله