viernes, junio 05, 2009

حفظا للذاكرة.. عمود عبد اللطيف شهبون

حفظا للذاكرة..




عبد اللطيف شهبون
عبد اللطيف شهبون

في مقام أول.. يضعنا محمد العسري في هذه المذكرات*/ الشهادة أمام بيان يؤكد فيه:
ـ مطلبا ذاتيا لتدوين ماعاشه من أحداث مروعة «بصدق وأمانة دون زيادة أو تضخيم أو نقص أو هروب من الحقيقة..»
ـ استجابة لرغبته في البوح، مغالبة لعدم مطاوعة الكتابة.. ورهانا على استخراج المختزن في ظلال ذاكرة موشومة بالعنف.. وصاحبها على مشارف عمر آذن بالبين..
ـ اعتماده على سرد متدرج ومتساوق مع مراحل عمرية ومع مجريات مواراة بالقمع..
ـ تقديمه لشهادة ذات وجهين: وجه عفوي بريء.. ووجه مسؤول مصر على الإخبار بالأهوال والفظاعات.. في مغرب الجمر والرصاص..
نقف مع هذا السارد المنتمي إلى جيل ظمإ منذور بالقضية.. على حدود آلام ذاتية وغيرية.. نسافر معه في تجاويف ذاكرته.. نتعرف إليه منذ ميلاده ونشأته بحي ريف الأندلس بشفشاون، ونتابع مسيره الدراسي في المرحلة الابتدائية بين شفشاون وتطوان.. وفي المرحلة الإعدادية والثانوية بين هذين الفضاءين الحضاريين المتكاملين..
يحدثنا محمد العسري ـ وهو يعيش طفولته بشفشاون ـ عن تلك المسافة الهشة بين بشارة الاستقلال وماكان يحلم به الناس من غد وخلاص.. وبين الحقد الأعمى وإهدار كرامتهم وانتهاك حقوقهم والتطاول عليهم من طرف الحزب المهيمن.. لم تكن زعامات الحزب الأقوى تؤمن يومذاك بأن تحرير الشعوب رهين بتحرير القلوب..! وهكذا عرف المغرب سياسة الانتقام والاغتيال والسحق والمحق لكل من سولت له نفسه معارضة سياسة الحزب الواحد حتى تحولت النهارات ليالي مغولية والأراضي مقابر جماعية.. حدث هذا كله في فجر الاستقلال وبعده.. ثم اتسع الطوق اطرادا..
كان الناس ينتظرون أن ينثال حب الوطن عليهم مادامت جوارحهم ساجدة له.. فإذا بطوفان القمع يبدأ منذ استقلال البلاد!
في قراءة هذه المذكرات/ الشهادة صيد وافر لكم هائل من المعلومات حول:
ـ ملابسات الخدمة العسكرية التي كانت تشكل جزءا من استراتيجية الجنرال الدموي محمد أوفقير للاستيلاء على الحكم في البلاد.
ـ حياة المنظمة الطلابية العتيدة «الاتحاد الوطني لطلبة المغرب».
ـ أحداث مارس 1965 بالبيضاء.
ـ نضالات الجامعة..
ـ فظاعات القمع البوليسي (رصدا.. اعتقالا. استنطاقا.. تعذيبا.. اغتيالا) في مفوضيات بوليسية ومراكز سرية ومؤسسات سجنية.. مما أدى إلى تناثر أعمار شباب لم تكن لهم من جناية سوى جناية الحلم!
في هذه السيرة بسط لمقامات الحزن والألم الذي عاشه محمد العسري في جلده وهو في ضيافة جلادين استبطنهم دون أن يتمكنوا من استبطانه.. وشرحهم دون أن يتمكنوا من تشريحه.. وسماهم.. ومازال يختزن قولا سيأتي قريبا.. حسبما صرح به في آخر جملة من حكايته هذه..
تفاصيل كثيرة للسارد وهو في أتون الخدمة العسكرية.. وفي مفوضية الشرطة بالقنيطرة.. وفي درب مولاي الشريف نزيل «حجيج» كان يدمر الأجساد والأرواح..!
هذا نص بقدر ما هو معجون بآلام الذات والذوات.. يتساءل بمرارة: ألا يكفي كل هذا الجراح لبناء مستقبل جديد؟
وأنا أقرأ هذا النص توقفت عند هذا المشهد المروع:
«.. في ليلة باردة من ليالي نوفمبر 1974 حضر في حالة سكر تام (يقصد الجلاد عبد الله البيضاوي).. وفي الثانية بعد منتصف الليل.. وتوجه إلى الزنزانة التي كنت بداخلها وحيدا.. أخذ مسدسه، ووضع بداخله بعض الرصاصات، وثبت فوهته في رأسي محاذيا الأذن اليمنى، أدخل أصبعه في المكان الذي يوجد به الزناد وطلب مني أن أصرح بأن الصحراء ليست مغربية..»!
كتاب «صور من زمن الرصاص»، عن منشورات سليكي إخوان للطباعة والنشر.