viernes, mayo 31, 2013

الجامعة المغربية من الانفتاح على الكون الى الاغتراب عن الذات

Image
د.أحمد الطاهري

 الطاهري، أستاذ التعليم العالي، مختص في تاريخ المغرب والأندلس
يكاد القارئ مِنّا لا يَعْثرُ على أثرٍ لفكرٍ ضمْن أكوام الأوراق التي سُوِّدَت بالرّسم العربي في مُختلف حقول المعرفة على مدار القرن العشرين إلى اليوم. وإذا ما حصَل أن انْبَهْرنا بمقال أو اسْتَهْوانا قلمٌ فعَمَدْنا للنهل من مَعِينه، لا نُصَادف تحت القشور إلا نقولا ونقولا ونقولا .. من كتابات السّلف أو اقتباسَاتٍ بالحَرْف من أفكار الآخرين. وباستثناء بعض الاجتهادات النادرة، ليس هناك ما يُمكن نعته بين النقول بـ "الفكر العربي المعاصر".   
فما أن بَحَّت أصوات رواد الإصْلاح مُنبّهة على أهمية مدّ الجسور إلى ينابيع فكر السَّلف الزّاخِرَة بأصناف العلوم والآداب والفنون أمَلاً في عوْدة الدّفئ إلى شرايين حضارتنا الهامِدَة، حتى انْتَصَبَت مآذن الدّعاة مُتَعَلقة بآخر ما اسْتجَدّ لدى الغير من مناهج العلوم، بدْءًا بالشك الديكارتي والفِنُومِنُولوجيا وانتهاء بالمادية الجدلية والتحاليل البنيوية، إلى ما عدا ذلك من المدارس الفكرية.
وبين العجز عن استيعاب الأصول المُتراكِمَة على مدار قرون من العطاء الفكري  بدار الإسلام وعدم القدرة على تطويع المناهج الحديثة المُتسارعة الوتيرة لدى الأمم، ظل ما يُعْرَف تجاوُزا لدى أشباه العُلماء بـ"الفكر العربي المعاصر" مُجَرّد تطبيقات ابتدائية في حقول معرفية. وبقدرما ظلت مشاريعهم المفتوحة مُتَنَاسِلة بأكْوَامٍ من الأوراق الحُبْلى بالقراءات والخطابات والتحليلات والتصَوّرات والمواقف، لم تتمَخّض بزبدة عِلمٍ تُمْسِكُ رَمَق الناس.
وبعدما استفحل الدوَرَان، إن لم يكن الهَذَيَان في حلقات مُفرَغَة وبلغ الاجْترار مَدَاه وتساقطت المآذن المُنْتًصِبَة الواحدة تِلو الأخرى، من الطبيعي أن تضج أصوات زعانف الأسواق بالدعوة إلى "تطبيق الشريعة" يقينا من عقولٍ مُنْفَعِلة بسُهولة الخلاص من الوَرْطة الكبرى. ولا فرْق بين مشاهير مَنْ انتَصَبوا "علماءَ" في ديارنا و"جهلة العامة" وكِلاهما مُسْتَكِينٌ لـ"تطبيق" فكر الآخرين أو شرائعَ جاهزة، وما طمَحَت هِمَمُهم يوْمًا إلى الاجتهاد في استنباط حُكْم أو بَذل العُمُر لاكتِسَاب عِلْمٍ.  
ومما يبعث على الأسى أن تنقطع السّبل بتلك النخبة العالية القدر من المغاربة الحاذقين في أدق مجالات العلم والاختراع والابتكار وقد ظلوا يهيمون على وجوههم طلبا لرغيفهم في البلدان وتوظيف معارفهم في مختبرات الآخرين وذكائهم في مراكز البحوث لدى الأمم فيظلون أبَدَ الدّهر نَكِرَة في أوطانهم. ويَعِزّ علينا أن نشاهد أمثال ذاك الوجه المُشرق نُورًا لفتاة مغربية تحظى بتقدير شعوب العالم على موْهبتها المُكتَسَبَة بالاجتهاد في تجويد القرآن، ولا يلتفت إليها مواطنو بلدها المُنْبَهِرين بالتفاهات. ولا تخفى الاستقبالات الحافلة لذاك الصّنف الرّديئ من المَوْسُومين تجاوزا "بالفنانين والفنانات" مِمّن لا يُتْقِنُ نظْمًا ولا يُحْسِن فنّا من فنون الغناء والسّماع والرّقص والانكسار فيَسْتَعِينُ بالكشف عن الأرْداف لاثارة الغرائز واسْتِهْوَاء الأذواق الفاسِدة وبالهَرَج المَارج لاسْتِرْعاء انتباه الغوْغاء. ويبدو أن نُكْرَان كلّ ما يتصل بالعلم والحِكْمة والآداب والفنون والتشهير بكل ما يلتصق بالهَرَج والمَرَج والعرْبَدة قد أصبح في ظل اختلالات العصر "سياسة" رائجة الأرباح.             
 وبصرف النظر عما يتعلق بمختلف الحقول من معارف نظرية وعمَلية أو علوم إنسانية التي نُرْجئ استحْضَارها إلى مقام آخر، يَحِقّ للمَرْء أن يتساءل ـ وإن بحَسْرة وأناة ـ وهل بين هؤلاء المُنْتَصِبين اليوم للنظر في الشرائع بديارنا مَنْ هو مُتَفَقّهٌ بعلوم الدين وعالِمٌ بأمور الدُنْيَا؟ ومعلوم أنه لا يصِحّ أن نَنْعَت أحدهم بـ"الفقيه المُقلد" إن لم يكن على دِرَايَة بما صَدَر عن عُلماء الأمة من تفاصيل في مختلف أبواب الفقه ودقائق ما طُرِحَ على "الفقهاء المُشاوَرِين" من قضايا على مدار تاريخ الإسلام، ضمن المذهب الذي يُقَلّدُه. أما أن ننْعَت أحدهم بـ"الفقيه المُجْتَهد" الذي بمَقْدُورِه اسْتنباط الأحكام واسْتِصْدار الفتاوى فتِلك درجة عالية بل "الأعْلى في العلم على وجْهِ الإطلاق" التي قلما تجتمع شروطها في شخْصٍ أو في زمان.  
وغني عن البيان أن أهل المغرب قد ظلوا منذ بدْءِ عمَلهم بشرائع الإسلام على "مذهب أهل الاستقامة والاقتداء" بالسّلف موصولا بـ"مذهب مالك"، ما تخَلوا في ماضيهم عن الاسْتِرْشَاد بمُقتَضَيَاته، وقد ألحّ حكماء أجدادنا على وصاية الأبناء والأحفاد أنّ "الاسْتِمْسَاك به نجاة" من الغُلوّ الفِكْري والتشرْذم الطائفي. ولنتأمّل ملاحظة أحد مشاهير فقهائنا إذ صرّح أن "جُلّ من يعتقد مذهبا من مذاهب الفقهاء فإن فيهم الجهمي والرافضي والخارجي إلا مذهب مالك فإني ما سمعت أن أحدا تقلد مذهبه قد قال بشيء من البِدَع".
وإذا كان المغاربة قد ظلوا على مَرّ العصور مُسْتمْسِكِين بعصا النجاة، فلا يصِحّ أن نسْمَح لزعانف عصرنا أن يُكَسّروه اسْتِخْفافا بالأصول واغترابا عن الذات أو طيْشا في متاهات الجهْل. ولا يخفى عن عاقلٍ كيف يعْمَد المُتَحَكّمون في مصير الأمم إلى تحريك الخيوط في الدهاليز المُظلِمَة للعَبَثِ بتماسك كياناتنا بجرّ العامة المُنقادين لـ"فقهاء السّوء الناعقين" إلى التناحر على أسس طائفية. وكمْ كان أبو الحَسَنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بليغا في وصف أمثال هؤلاء بكونهم: "هَمَجٌ رعاع، أتباعُ كلِّ ناعِقٍ، يَمِيلون مع كُلِّ رِيحٍ، لم يسْتَضِيئُوا بنورِ العِلم". وها هي نتائج التشرْذم الطائفي المُرْعِبَة تُغْرِق أهلنا سُنّة وشيعة في مُسْتنقع لا مَخْرَج منه، بدْءا بلبنان فالعراق واليمن وسورية والبحرين .. ويبدو أن ما يُسْتحضر في مطابخ الأمم لمُسْتقبلنا مِمّا خفي عن أنظارنا أعْظَم.
ويتعجّب المُتَعلم مِنّا، بل ومِنْ حق العامي أيضا أن يتساءل: وكيف أصْبَحت الأحكام وقضايا التشريع والفتوى ـ على جلالة قدْرِهَا وخطورة شأنها ـ حقلا مفتوحا يخوض فيه كلّ من هبّ ودبّ من الجهلة الأغمار والزعانف المُسْتَطيلي اللسَان بالهذر؟ ويزخر التراث الفقهي المغربي بآلاف الدّرر الكفيلة بوقف باب الخوض في كثير مِمّا يحلو لمُتصيّدي الفُرَص نشره في وسائل التشهير المُعَوْلَمَة. وأكتفي في هذا المقام بالإحالة ـ على سبيل المثال ـ على شاب مُسْلم وقف فيما مضى أمام القاضي "فذكر أنه بَدَا له عن الإسلام، فامْتحنه فوجده مُصِرّا على ما قال"؛ وبدلا عن "تطبيق" ما يُسَمّيه زعانف عصرنا بـ"الشريعة"، فإن الفقهاء المُفتون بمذهب مالك أشاروا على القاضي بالقول: "فإن أصرّ خليّتَهُ في سخط الله عَزّ وجَلّ، فليس بأوّلِ مَنْ أغواه الشيطان".    
ويتبادر إلى الذهن أيضا كيف نجح كاتبٌ مغمور بواسطة قصة بئيسة من صُنْع خياله في تحريك ملايين الخلق في مظاهرات عارمة هزّت معمور الأرض فانْتَصَب كبار "أئمتنا" لاسْتصدار الفتاوى بإهدار الدم ووقفت شعوب ودول على خط المواجهة يُحرّكها الاعتقادُ ـ جهْلا بالأصول ـ أنها قد هبّت لنصرة الإسلام. وتتكرّر الحوادث المُمَاثلة بخربشات كاريكاتورية رديئة تبْحَث عن أضواء كاشفة في وسائل التشهير العالمية، فتتحرّك الدّهْماء بالملايين في بلاد المسلمين مُعْتقدة أنها قد هبّت لنصرة المصطفى الأمين؛ وحاشى أن يكون سيّد البرية بحاجة إلى هؤلاء المُنْدَفِعين وراء الناعِقِين في أبواق مُشْرَعَةٍ بالضجيج العالي تمَوّلها بسخاء أيادي المُنَافقين الآثمة.
إنها بالونات اختبار لدرجات الضلال في شِعَاب الجَهل بآيات الله الساطعة وبِقُدْرَة المُتَحَرّكين في الظلام على تسميم الأجواء بديارنا والدّفع بأهلنا إلى شفا الهاوية. وما أشبه هذا المصير الذي آلت إليه أحوالنا بالوَصْف الذي خصّ به أحد قدامى الحكماء انهيار حضارتنا بقوله: "اشتد البلاء بأهل الإسلام، خاصة فيمَا بيْنَهُم، فإن الكلُّ على الكلِّ، في القريب والبعيد والمُولَى عليهم، بعضُهم لبَعْضٍ فِتْنَة، وبعضُهم على بعْضٍ نِقْمَة، بفساد دينِهم ودُنْيَاهُم وعيْشِهِم".
وفي تواريخنا الزاهرة ما يُقدّم ألف مثال ومثال على مواقف الفقهاء المُسْتَرْشِدِين بكتاب الله وقد وسِعَت رحمته كل شيء، المتأمِّلين سُنَنَ نبيه المصطفى الأمين الذي كان على خُلُقٍ عظيم، المُسْتوْعِبِين آثار العلماء من سلف الأمة في معالجة ما قد يُصَادِفُونه من مسائل تستدعي الفتوى. أليس في دار الحديث بالعاصمة والهيئة المُشرفة على الشؤون الدينية وشُعَب الدراسات الإسلامية بجامعات المملكة والمجالس العلمية المُنْتَصَبَة في طول البلاد وعرْضها من المختصين في الشرائع والأحكام من يُذَكّر الغوغاء بالحدود الفاصلة بين الاستقامة والضّلال؟ أليس من واجبهم وهم يتقاضون مُرَتّبات عُليا من خزينة الدولة تذكير الناس وإرشاد الحُكام بمواقف مشاهير فقهاء المالكية في مثل هذه الحالات، ونحْن على مذهبهم؟ أليس في تاريخنا من نوازل الأحكام ما يُقدّم النّبْراس للاسْتنارة بأعمال السّلف في مثل هذه الحالات؟
فكم هُم المُسْتَخِفّين بالنبي (ص) من أهل الديانات الأخرى الذين اندفعوا فيما مضى وهم في كنف دار الإسلام للسّب والقذف في حقه على مَسْمَع ومرآى من عامة المسلمين وهُمْ في عِزّ دولتهم؟ أكْتَفِي في هذا السياق بذِكْر حادث الاستخفاف بالنبي (ص) في حضرة أحد فضلاء القضاة وقد أتاه "رجل من النصارى مُسْتَقتِلا لنفسه فوَبّخه القاضي وقال له: ويْلك مَنْ أغْرَاك بنفسه أن تقتلها بلا ذنب!.." وبَدَلا عن إصدار الحُكم بإعدامه، قلل من شأنه واسْتهزأ من جُرْأته على نفسه مُكتفيا بنصْحِه. فشتّانَ بين كبار فقهاء المغرب المُجتهدين في علم الشرائع والأحكام وهؤلاء الزّعانف المُطالِبين بتطبيق الشريعة وهُمْ يقتلِعُون نصوصها من سياقاتها قلْعًا ويفْصِلُون ظاهِرَ معانيها عنْ جَوَاهر مقاصِدِهَا جهْلا فيَرْتكبون أفضع الجرائم.   
أليس هناك أوضح دليلا على درجة الهَوَان التي أصبحت عليه أحوالنا نتيحة عدم اكتراث ذاك الصّنف من "المُتَفَقّهين" ممّن لا يُدْرِكُ كُنْه علوم الشريعة، ولا جوْهَر الدين. وإذا ما تأمّلنا حقيقة المُقْتَحِمين علينا بيوتنا ومقاهينا في وسائل التشهير المُضِلة والمُشِعّة بالتفاهات في أنحاء المعمور نجدهم أقرَب إلى الوصف الذي خصّ به أحد قدامى الحُكماء أمثالهم بقوله: ولا يكون إلا "مُقِلاّ في العلم، بريئا من البلاغة، جِرِّيئا على الخطابة بإيراد ما حَفظه مِنْ قَوْل مَنْ قَبْله، يُطِيل الكلام مع ذلك فيَخْرُج عن الغرَض المقصود". فلنتساءل، وهل ما زالت بلادنا فعلا مُسْتَمْسِكة بمذهب مالك، حتى نطْمَئِنّ على مستقبل أهلنا؟  
لا تخفى مكانة المساجد الجامعة في ديارنا باعتبارها بيوت الله الطاهرة من الآثام، حيث يسْعى المؤمن للتقرب من خالقه بالعبادة ومعرفة الحق سبحانه وتزكية النفوس وتهذيب الأخلاق وتنظيف الهندام. وباسْتثناء واجب الدعوة لأمير المؤمنين في خطبة الجمعة لِمَا فيه صلاح المسلمين كافة، لا يصِحّ لأي كان: داعِيةً أو جماعةَ أو حزبًا أو هيئة تحويل المساجد من دُورِ عِلْمٍ وعبادة يَؤُمُّها المُصَلون للذّكْر والاقتباس من نور الله وحِكْمَتِه إلى بُوقٍ لترويج الأخبار والمقالات أو سُوقٍ للتكسُّب والتجارات. 
ونظرا لجلالة مكانتها منارًا لعامة الناس وخاصتهم في بوادي المغرب وحواضرهم، فقد ظلت على مدار نحو ثلاثة عشر قرنا ونيف تحت إشْرَاف أدرى الناس بأمور دينهم وأفقههم في شؤون دنياهم. ولا يخفى كيف دأبَتْ جامعة القرويين العتيقة وغيرها من مدارس العلم بالبوادي والمدن على توفير أمْتَن تكوين لأئمة المساجد المُسْتَظْهِرِين لكتاب الله وأحاديث نبيّه وأقوال العلماء، المُلِمّين بمختلف العلوم الموروثة عن قرون عِزّ العطاء الحضاري. وقد ظل خطباءُ المغرب إلى عهد قريب يُحرّرون خُطَبَهم ببليغ الكلام وِفْقَ مقتضيات الأحكام الجارية في البلد، وهم الأقرب إلى نبض الناس واحتياجاتهم الرّوحية.
 وما دامت المساجد مفتوحة لاجتماع ملايين الناس على مدار الساعات، فسُرْعان ما دبّ دبيب المُتحرّكين من مختلف الألوان لنشر مذاهبهم والترويج لمقالاتهم وتسْريب بياناتهم، بما يُؤذِنُ بتحويل بيوت الله إلى منابر للمُسوّسِين والمُتَسَوّقين بالدين وطلاب الحُكم، في أردأ انكسار للقيم في حضارتنا. وشيئا فشيئا شُلت قدُرَات الأئمة وتشعّبَت بهم المزالق في سياق اختلالات العصْر المُدْلَهِمّة. ويعزّ علينا أن نسْتمع إلى الخطباء وقد انْخَرَطوا في الإعلام بِبَدْء الدخول المدرسي أوفي حَمَلات الوقاية من حوادث السّيْر أو بدْء التسجيل في اللوائح الانتخابية أو ماعدا ذلك مِمّا يسْتجِدّ من قرارات في مكاتب الوزارات، وكأن المصالح الحكومية والأحزاب لا تكفيها وسائل الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع التي تلتهم الملايير من ميزانيات الدولة، فتسْتكْمِلُ بأئمة المساجد المغلوبين على أمْرِهِم عمل أجهزتها الإدارية الرّديئة.
وأي فرق بين مَنْ يتسَوّق بكلام الله وفي بيوته لتحقيق غرَضٍ شخصي أو حزبي أو وزاري وبين ملايين الباعة المُتَحَلقين  بأبواب المساجد يبيعون عطورا مكية وكتيبات بئيسة وأسطوانات ردئية، وقد اختلطوا بالمتسَوّلين وذوي العاهات المُسْتَدِرّين لعطف المُصَلين، وملأوا الفضاء ضجيجا وازْدَحَموا في المداخل مُعَرْقِلِين حركتهم في أبلغ منظر كاشِفٍ عن عورة المسلمين في يوم جمعتهم العظيم. ومن البديهيات المتعارفة خلال القرون الماضية أن من واجب المُحتسب بمدن المغرب "منع المساكين من التسول أيام الجمع بالمسجد الجامع بما يزعج المصلين". أليس في تاريخنا ما يقدّم أبسط مثال على درجة استخفاف هؤلاء الموكول إليهم تنظيم شؤون مساجدنا براحة المواطنين، ونحن في عِزّ القرن الواحد والعشرين؟     
إن المغرب والمغاربة ليسوا بحاجة لخطاب ديني ولا لدعوات متهافتة، بل هم في أمسّ الحاجة إلى تحصين عقيدتهم والذوْد على مذهبهم المالكي واسْتِرْجَاع مكانته نِبْرَاسًا لأحكامهم. ولا يتحقق ذلك بمجرد إخضاع المساجد لسلطة إدارية أو مراقبة عمل الأئمة، وإنما برفع مستوى الفقهاء واسترْجَاع مكانتهم بين الناس، إلى حدّ بلوغ نُخَبِهِم العلمية درجة الاجتهاد في استنباط الأحكام، بما يَكْفل لشرائعنا القُدْرَةَ على مُواكبة تطورات العَصْر المُتَسَارعة. ولن يكون ذلك مُتاحًا بالاسْتكانة لذاك الصّنف الذي وسَمَه أحد قدامى علماء المغرب بـ"الفُسّاق المُنْتَسِبِينَ إلى الفقه، اللابِسِين جلود الضأن على قلوب السّباع، المُزَيّنِين لأهل الشرِّ شرَّهم، النّاصِرِين لهُم على فِسْقهم".
واضح أن المؤسسات الدينية والمجالس الموسومة جَدَلا بالعلمية التي وُكّل لها هذا الشأن هشة إلى حد مُخيف. أما النّخب الفكرية فغير قادرة حتى على إقناع نفسها فبالأحْرى أن تُوَاجِه الأمواج المُتلاطِمَة بالخِطابات المُغْرِضَة وقد انْتَصَب لها الدّجالون في وسائل التشهير المُعَوْلمة. إنها أبعد ما تكون عن هداية أجيال المتعلمين في المدارس والشباب المُتَهَوّرين في دروب الغواية وأعجز عن ضمان التوازن الرّوحي للتائهين من أهلنا في ديار الغربة. وها نَحْنُ نُعَايِنُ ـ مشلولي الأطراف ـ كيف يتمّ اختراق نسيجِنَا الفكري بِمَا يُهدّد في الصّميم كيان المغرب الحضاري.       
لا أدري هل ما زالت بين أيدينا القُدْرَة على إعادة ربْط حاضرنا بالأصول واسْتِدْرَاك تسعة قرون مضت من التخلف عن ماضينا وخمسة قرون من التخلف عن مواكبة عصْرنا. وأتصور أن أول خطوة على هذا السّبيل تكون بإنشاء جامعة راقية المُسْتوى ـ مضمونا وتأطيرا ومنهجا ـ لتكوين الفقهاء في علوم الشرائع والأحكام وِفْقَ مذهب مالك والأئمة خطباء المساجد والمُتَكلّمين المتناظرين مع أقرانهم من أهل المذاهب والديانات الأخرى في قضايا الدين والخلق والوجود. ولا سبيل لنا للخروج من المُسْتنقع الرّهيب الذي أحاط بأهلنا إلا الاسْتِمْسَاك بقبَسِ العلم، ففي نوره ما يَفْتَحُ طرُق النّجَاة.   
* سلسلة من المقالات التي ينشرها الدكتور الطاهري حول بعض الإشكاليات المطروحة في الساحة الفكرية والسياسية المغربية، من المقالات السابقة

sábado, marzo 23, 2013

Por tu suerte

Imprimir
Título: Por su suerte
Autor: José María Cuadro
Enero de 1906. España trata de obtener la tutela del norte de Marruecos en la Conferencia de Algeciras a pesar de que parte de la sociedad española rechaza tal aventura. Las cabilas marroquíes se oponen decididamente, lo que podría conducir a sangrientos enfrentamientos armados.
José Marco, soldado de cuota “POR SU SUERTE”, impide el asesinato de un alto representante marroquí en dicha conferencia. Así conoce a Carlos Ruiz-Herrera, responsable del servicio de inteligencia del Ministerio de Estado español en Marruecos, que le propone incorporarse a su departamento. Tras recibir la formación adecuada, Marco se infiltra en el país haciéndose pasar por un prospector minero interesado en los yacimientos de la región. Pero sus objetivos reales son distintos: ha de controlar los movimientos del “Roghi”, un usurpador que aspira al trono de Marruecos, y debe acabar con el contrabando de armas en la Mar Chica.
Los olvidos y los amores de ambos protagonistas, sus relaciones con el Islam, los marroquíes y los sefardíes, las negociaciones con líderes rebeldes, la participación en combates y la persecución del contrabando de armas, constituyen el núcleo de una historia que sumerge al lector en un Marruecos complejo, cautivador, anárquico y rebelde que no encontrará la paz hasta 1927.
Por su suerte - José María CuadroJOSÉ MARÍA CUADRO nació en Alcazarquivir, Marruecos, en el seno de una familia afincada en el país desde inicios del pasado siglo. Vivió posteriormente en Tetuán y Tánger donde finalizó sus estudios de bachillerato.
Es Ingeniero Industrial Superior por la ETSII de Madrid, y completó más tarde su formación con estudios en ingeniería de minas y dirección de empresas.
Ha desarrollado su vida profesional en la empresa privada en distintos lugares de España y ha ocupado cargos directivos en organizaciones dedicadas a la minería, la metalurgia, los materiales de construcción, los bienes de uso y la consultoría de empresas.
Su afición a la literatura viene desde niño, ya que es hijo de escritora. Asimismo ha recibido algunos premios en concursos de relato corto. Por su suerte es su primera novela.

Su afición a la literatura viene desde niño, ya que es hijo de escritora. Asimismo ha recibido algunos premios en concursos de relato corto. Por su suerte es su primera novela.

domingo, febrero 24, 2013

عبد اللطيف شهبون… لم يزل يراك.. عزيز الحلاج



عبد اللطيف شهبون… لم يزل يراك..
عزيز الحلاج
من معين التجربة الشعرية والتجربة الصوفية، ينكتب العناء والمكابدة والشوق والوجد.. وبمداد كل عذاب وحرقة واحتراق ومجاهدة، يكون البوح والكشف.. والصوفي والشاعر كلاهما يسخر الخيال ويعتمد الإلهام، حد الفناء والذوبان، وكلاهما يعبران من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، من الصحو إلى السكر، حيث الاطلاع على ما وراء الحجاب، وكلاهما يجعل الدلالة المعهودة تمرق إلى دلالة أخرى منزاحة، بعيدة قابلة لأي قراءة وتأويل.
أدرك أهل التصوف منذ زمن بعيد الإمكانات والطاقة التحميلية للشعر، فعملوا على تطويعه لتجربتهم. ومع أن التجربة الصوفية والتجربة الشعرية تبدوان مختلفتين شكلا وموضوعا، إلا أنهما تتحدان في كونهما إنسانيتين، وتتوسلان الرمز والانزياح وإشارية اللغة من أجل السمو بالذات لإدراك الكل/المطلق.
من الواضح أن عددا لا يستهان به من المتصوفة قد عانقوا الشعر على شاكلة الحلاج(شهيد العشق الالاهي) وابن عربي(صاحب مذهب وحدة الوجود) وابن الفارض (سلطان العاشقين) وجلال الدين الرومي(اعظم شعراء الحب الالاهي) وحافظ الشيرازي(لسان الغيب وترجمان الاسرار) والسهروردي(شهيد الاشراق) وأبي بكر الشبلي( أحد مشايخ الصوفية الكبار) وعبد القادر الجيلاني (قدوة الاولياء العارفين)،كذلك ومثال بزغ شعراء نزعوا منزع الصوفية في توظيف الرموز والألغاز والتورية، من أمثال صلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي.. و أحمد سعيد(أدونيس)، الذي يعرف التصوف بأن له علاقة بما هو خفي، وهذا الخفي لا يمكنه إلا أن يأسرنا لخفاه، و لا يمكن إلا أن يشوقنا لبعده واحتجابه، خصوصا إذا ما تم ربط هذا الخفي بخفي آخر، و هذا المحتجب البعيد بمحتجب بعيد آخر ألا وهو الشعر ..أيضا هنا عبد اللطيف شهبون، المتصوف الذي يقدم نفسه بقوله " أنا غصن في شجرة نسب رُوحيّ.. وروضة تعريفي هي شجرة التصوّف .. أنبثق من رحمها .. وأتغذى من جذورها .. وأرتوي من نسْغها.. مُنعّما بما أعيشه وأطالعه وأتذاكر فيه. .استمدادا من سيدي حمزة القادري رضي الله عنه".. ويقدم نفسه-كذلك- كشاعر حداثي يرى أن علاقة التصوف بالشعر علاقة تناغم وتجاذب واندغام وتكامل، علاقة رؤية، أو رؤى، وأن إمكانية التصوف باعتباره تدبرا وتأملا، أمر لامناص أن يقوي - بالقوة والفعل - المادة الشعرية على صعيد جمالي وجلالي.
هذا الشاعر والمريد، من مواليد أقصى شمال المغرب، في الخمسينيات من العمر، يتحدر من شفشاون. تلقى تعليمه الأولي بتطوان، " مسقط قلبي"، و"فضاء لكل تعيُّناتي ومعادل موضوعي لحبِّي الأوَّل"، هذه المدينة التي "فيها من اختطف قلبي .. وما زلت أرسم ملامحه وملامحي كُلّما امتد وجعي.. وهذه حالة مُلازمة تسري في أوصال قصائدي مسْرى النّفسِ في النّفس". وفي فاس حصل على الإجازة في الأدب العربي، وبالرباط، نال ديبلوم الدراسات العليا ، وفي طنجة يقول"مُنحت صحبة أخيار.. وقليل ماهم.. وفي هبّات ربيعها جدّدت اخضراري مع رفقة طيبة؛ بعض من وجوهها غائبة الآن.. محمد الخمار الكنوني، الطيب الدليرو، محمد العربي الخنوس، أنور المريبطو،عبد الصمد العشاب.. وقدم بهذه المدينة خدمات تعليمية وتربوية بثانوية زينب النفزاوية، والمركز التربوي الجهوي، ومدرسة الهدى.. وانخرطت في عمل سياسي ونقابي وجمعوي وحقوقي(اسم وازن في منظمة حقوق الانسان بالمغرب).. لم أكن معزولا عن قضايا المغرب.. ولم أركن إلى جمود.. وخلال ثلاثة عقود من العمل المضني، كونت صداقات مع إخوان شددت يدي عليهم.. ولازمتهم"، و بهاته المدينة" رزقني الله أبنائي الدكاترة : بسام، أحمد، وصبح من أم مثالية.. وبها أتممت دراستي .. " ويستمر في الدراسة والتحصيل إلى بلوغ دكتوراه الدولة بتطوان.

خاض الدكتور شهبون في النقد، فكان من أهل الاختصاص، ودخل الترجمة من أوسع أبوابها، وكتب ويكتب، والكتابة والكتب ترافقه في صحوه وقبل نومه، لايرى إلا وهو يتأبط كتابا أو جريدة أو بين يديه أو بمحفظته أو تحفظ جيوبه أوراقا خط عليها أفكاره ومواجده وأحواله القلبية والروحية.

راكم شهبون تجارب عدة، ووقف على تيارات فكرية متنوعة، عب من بعضها، وتشبع ببعضها في مسيرة حياته.. ، لكن استقر به القرار أن ينصت إلى داخله، إلى عمقه وجبلته، وحط عن قناعة وإيمان لا يتزحزح بملكوت التصوف، فمال إلى عقلانية إيمانية أخلاقية، موقيا بهذا العلم الروحي الذي يعتبره المخلص من الضلال، والذي بفضله يمكن تخطي الحسي وبلوغ الحقيقة والاتصال بالحق، والذي بقدر ما ينهض على استحضار خالق هذا الكون، يعمل على بناء شخصية الإنسان بناء أخلاقيا صحيحا، كمنهاج في الحياة وموقف وجودي ضدا على اشتداد الغفلة وطغيان المادة وكذا الميوعة والتوى الذي تشهده القيم باستمرار بفعل، مستجدات المدنية الحديثة الجامحة والتي لاتقيم للأخلاق وزنا.تضرب علاقة أستاذنا بهذا العلم الرباني الذي ملك عليه أحاسيسه، بجذورها في زمن بعيد. ففي بيئة محافظة مثقفة، وضعت رهن إشارته مكتبة تراثية من أمهات الكتب في مختلف مشارب المعرفة خاصة في التصوف منذ يفاعته، إذ كان كل من جدي أمه وأبيه من أهل الصلاح والتقوى، أحدهما من الزاوية العيساوية والآخر من الزاوية الدرقاوية. ولذلك، طبيعي أن يكون شهبون مريدا في طريقة تستجيب لرؤيته لنفسه وللعالم والكون، وهي طريقة الشيخ حمزة القادري البوتشيشي.وغير خاف أن الطريقة القادرية البوتشيشية، تنتسب إلى الشيخ مولاي عبد القادر الجيلاني، هذا الشيخ الذي ورد عنه في "تكملة إكمال الإكمال في الأنساب والأسماء والألقاب" أن ظهوره كان في القرن الخامس بالمشرق، ونحن لانملك بينة موثوقا بها عن أنه دخل المغرب، وقد لحن المغاربة اسمه، فاشتهر بمولاي عبد القادر الجيلالي، صاحب كرامات ظاهرة وولي من الأولياء المجتهدين والمشايخ المرجوع اليهم في أمور الدين وأحد أئمة الإسلام العالمين العاملين. ويتفرع من سلالته، الشيخ الحالي للطريقة الحاج حمزة البوتشيشي.

ألف الأستاذ عبد اللطيف شهبون في التصوف، من ذلك كتاب: "الخصائص الأسلوبية في شعر التستاوتي"،أي احمد بن عبد القادر بن مبارك التستاوتي، أحد علماء المغرب العظام ، الذين بحاجة لأقلام الباحثين لنفض تراب النسيان عنهم بدل تركهم يعتصمون بكثير من رفوف مكتباتنا العامة والخاصة من غير تفقد.
وغني عن البيان أن التستاوتي، ولي صالح وعارف استثنائي بمغرب القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وله ذخيرة صوفية ما أحوجنا للاطلاع عليها. ولقد تكرم الأستاذ عبد اللطيف شهبون بتقديم تحقيق ديوان هذا العلم المغربي، وهو تحقيق نم عن اطلاع واسع ومتابعة وخبرة وتمرس ودراية بأسرار العمل المحقق، حقائقه ورقائقه وخصائصه مع قناعة راسخة بأهمية التصوف في بناء الإنسان بل وحضارة أمة.
نذر الدكتور شهبون نفسه للشعر، غارفا من التراث، ماتحا من تكوينه الثقافي ورصيده المعرفي، ناحتا من ذاتيته ووجدانه وفكره، فجادت قريحته بدراسات في الشعر، مثل دراسة في شعر ابن زمرك الأندلسي؛ وهو من كبار الشعراء والكتاب في الأندلس، ونظم دواوين،بلغت شأوا من النضوج الفني،وهي: "كما لو رآني" (2008) "وذاتي رأيت" (2008) و "إليك انتهيت" (2010) ..وآخرها وليس أخيرها إصدار شعري رابع "لم يزل يراك..". وهو من القطع المتوسط وفي78 صفحة ،عن دار سليكي اخوان بطنجة في طبعته الأولى.وهو تجربة شعرية تخمرت من الوجد الصوفي، مرقت فيها اللغة من الحقيقة إلى المجاز، كما انسل الإلهام من عالم الشهادة إلى عالم الغيب.
اتخذ الديوان عنوان: "لم يزل يراك..". وكما يتبدى، فالفاعل ضمير مستتر تقديره: هو. والمقصود:الهو/الكل. أي أن الله يرى ويراقب.والمراقبة، أن تؤمن بأن الله يراك. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(اتق الله حيثما كنت).ومن دعائه: (أسألك خشيتك في الغيب والشهادة).والله سبحانه وتعالى (لاتأخذه سنة ولانوم،يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم..). والديوان في شعر التفعيلة، كسر غل الوزن والقافية، وقد ضم إلى صدره ثمانية وثلاثين قصيدا. وهي بعجالة(وجه-وردة-سلاف-فقد-روح-قصيد-همس-وشم-عصفورة- رحلة-مصاب-ملاذ-انطفاء-جوهر-طي-مراياي- مرآة شوقي مرآة اسطقساتي-مرآة احتراقي- مرآة صبابتي- مرآة تيهي- مرآة حلولي- مرآة طيفي- مرآة غفلتي-مراة تشوفي-توسل-تهيأ-اعطني قبسا-ضوء هارب- مرثية-كالصلاة-كل- مقام- حد- رؤى- رواء-توقد- واخيرا لم يزل يراك.
استهل الديوان "لم يزل يراك.."، بتقدمة رائعة للشاعر عبد الكريم الطبال . وبهذا، فإن الديوان قد اكتسب تزكية ومصداقية أكثر، بالنظر لمكانة شاعرنا الطبال في الفضاء الإبداعي المغربي، هذا فضلا -طبعا- عن أن الرجلين، الطبال و شهبون من أولاد الشاون، التي يقول عنها شاعرنا "كلما دعتني الفرصة لزيارتها، أنقِّلُ قلبي عبر أزقتها لأتغذى من نسائم طفولة هاربة .. وأجدد أحلاما أمسح بها عن حائط نفسي لونها الداكن الحزين". ولقد لقبت الشاون بمدينة الشعر والشعراء، إذ نظمت أول مهرجان للشعر المغربي الحديث في الستينيات من طرف نخبة من الشعراء الشفشاونيين، ثم احتفت في إطار دورتها الثالثة من مهرجان ربيع شفشاون بتجربة ولدها، شاعرنا عبد اللطيف شهبون، تحت شعار"دورة الشاعر عبد اللطيف شهبون".

كانت أول موضوعة في الديوان: "وجه" :(فأينما تولوا، فثم وجه الله) ،(كل شيء هالك إلا وجهه)، ويختتم بموضوعة "لم يزل يراك":(فإن لم تكن تراه ،فإنه يراك).فالله هو المبتدأ وهو المنتهى. ويجعل تقدمة لكل موضوعة من موضوعاته بيت أو مقولة . ويلاحظ بياض كثيف يتخلل الأبيات، ويذيل المقطوعات. والبياض نور وانفراج ضد الحلكة والتكثيف والانسداد، يعبر عن فسحة الروح، عن المحجة البيضاء، عن نجاة الفرد، عن خلاص المجتمع. والفراغ المهيمن على الديوان، فراغ الجنان مع الله (وإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب)..( ربنا أفرغ علينا صبرا)،فذكر الله فراغ من الدنيا وانهماك في أمور النفس، وملء الوقت بما يفرغ الزمان من المكان. وممن رصعوا موضوعات شاعرنا بأبيات أو مقولات من القرن الثاني الهجري: فريد الدين العطار، ومن القرن الثالث الهجري: الحسين بن منصور الحلاج وبشر بن الحارث بن عبد الرحمن المكنى الحافي وأبو بكر الشبلي وأبو الحسن سري بن المغلس السقطي. ومن القرن السادس الهجري: الإمام محيي الدين بن عربي وعبد القادر الجيلاني . ومن القرن السابع الهجري: شهاب الدين السهر وردي المقتول. ومن القرن الثالث عشر الهجري: سيدي محمد الحراق. ومن القرن الرابع عشر: سيدي حمزة القادري بودشيش. ومن القرن العشرين الميلادي: واسيني الأعرج.
وبهذا الكوكتيل من أقطاب التصوف والشعراء الأعلام عبر التاريخ، الذين اختلفت مرجعياتهم الذاتية، من حلول واتحاد ووحدة الوجود، الذين مثل بعضهم شخصيات ثائرة..قلقة في الإسلام، والذين حولوا قوتهم الروحية إلى قوة مادية ونظرياتهم إلى إبداع أصيل،استطاع الديوان أن يفتح شهية ونهما لقراءته ودراسته وتحليله، فهو فريد-بحسب رأيي- في بابه..موضوعاته تستقي من الحكمة الفارسية ، ومعانيه مبتكرة، من التيار الحداثي.تنوع في الحقل الواحد، تفاوت ملحوظ في الطول والقصر أوالشكل ..ونفس ودفقة حرارية شعورية وشعرية، لكن يؤلف بينها إحساس صادق. بعضها تعنونه مقولة أو بيت، وبعضها يذيل بإحالة أو تأريخ أو ذكر مناسبة أو إهداء. نظم شاعرنا ديوانه الرابع "لم يزل يراك.." بمداد قلبه، غارفا من معين ثقافة رباها باليدين، ثقافة واقعية، ثقافة ربانية أثيلة ومكنز صداقات حميمة..
نصوصه، قبسات، نفحات، بارقات عرفانية خصبة ولودة متفتحة منفتحة على أمداء مختلفة، تحمل نفسا صوفيا ينم عن عمق فكري معرفي وثقافي، كلها تصب في مصب واحد، نذر الشاعر نفسه إليه، وتقصده الشاعر في ديوانه منذ البداءة، بلغة رصينة، جزلة، سلسة، منسابة انسياب الماء في جوف الظمآن، تحمل صورا عن الكشف والمشاهدة والالهامات واستعارات بعيدة وخيال خصب، تتوسل وتائر وإيقاعات سريعة تارة، بطيئة أحايين، تفرض دندنة، بل لحنا سهلا على اللسان، طريا على الأذن، من خلاله نستمع إلى نبض قلب الشاعر، إلى سر الوجود.

viernes, febrero 22, 2013

المؤرخة مدارياغا:إسبانيا احتلت شمال المغرب بضغط إنجليزي ولوقف هيمنة فرنسا، واستعادة الهيبة بعد 98


Image المؤرخة الإسبانية ماريا روسا مدارياغا وفي يدها نسخة من كتابها "المغرب هذا المجهول، تاريخ مختصر للحماية الإسبانية"


ألف بوست - أغنى صدور كتاب :" المغرب هذا المجهول، تاريخ مختصر للحماية الإسبانية" للمؤرخة الإسبانية ماريا روسا مدارياغا، الجهود الأكاديمية والتأريخية المنكبة على مقاربة العلاقات المغربية الإسبانية خصوصا في مرحلة الاستعمار الإسباني لشمال المغرب من جهة، ومن جهة ثانية عزز رصيدَ هذه الباحثة، التي راكمت اطلاعا واسعا بالوثائق التاريخية التي تتناول المغرب وإسبانيا، من تآليفها التاريخية التي تتناول تاريخ شمال المغرب في علاقته بالحماية ا لإسبانية. وبينما عمدت الباحثة إلى تفكيك تجربة الحماية الإسبانية في شمال المغرب برؤية نقدية تاريخية، فإنها سعت أيضا إلى بلورة خطاب يحث على إعادة تأمل وتمثل الجار الحنوبي لإسبانيا وفق رؤية متحررة و جديدة تقود إلى معرفة حقيقية بهذا الآخر الذي وصفته في عنوان كتابها "بذاك المجهول" من جاره الشمالي.
ويعالج الكتاب وهو الثالث للمؤرخة الإسبانية مدراياغا الذي يتناول تاريخ الحماية الإسبانية لشمال المغرب، بعد كتابيها:" حروب المغرب " (2005) و " عبد الكريم الخطابي : المقاومة من اجل الاستقلال" (2009) ، العلاقات المغربية الإسبانية، خاصة على عهد الحماية الإسبانية، وبالضبط في المرحلة الممتدة من" الجمهورية الإسبانية الثانية إلى الحرب الاهلية الإسبانية "وتستقر معالجتها التاريخية  أساسا عند  "الحقبة الفرانكوية الممتدة من العام 1936 إلى العام 1956 "،مبرزة أن نصف تاريخ الحماية الإسبانية بالمغرب ويزيد قليلا كانت على عهد فرانكو".
وأكدت المؤرخة مدارياغاأثناء تقديم كتابها في لقاء بمدريد، ان "احتلال شمال المغرب من قبل إسبانيا تحكمت فيه اعتبارات ذاتية تتعلق بعقيدة بعض عناصرالجيش الإسباني، وضغوط دولية وإقليمية خصوصا من قوى استعمارية دولية في تلك اللحظة". وفي هذا السياق تحدثت الباحثة الإسبانية عن أن القيادة العسكرية الإسبانية لم تكن تتوفر على رأي واحد بخصوص الحماية الإسبانية بشمال المغرب ، وانه في القرن 19 ومع الانقلابات العسكرية أصبح الجيش في النهاية حاسما  في رسم مسار حياة الإسبان. وتطرقت مدارياغا إلى من يُسمون ب " الجنود الإفريقيين" الذين ورثوا عقيدة التدخل العسكري، والتي استغلتها طبقة واسعة منهم" كما تؤكد الباحثة "من أجل الاغتناء والارتقاء في سلم السلطة العسكرية". ولمحت في هذا السياق إلى أن إدارة الحماية الإسبانية أنذاك بشمال المغرب "كانت عشا للفساد ولاطماع تجارية ملوثة، وان تلك الإدراة كان يستفيد منها قلة".
ورأت المؤرخة  أن  تدخل إسبانيا في شمال المغرب "تم  فقط لأنه في تلك الفترة حتى تكون دولة ما  ذات شأن يتعين عليها ان تكون لها مستعمرات"، مبرزة أيضا أن الجيش الإسباني مارس ضغطا كبيرا للانتقام واستعادة الهيبة خصوصا بعد النكسة التي لحقت القوة الاستعمارية لإسبانيا بكوبا في العام  1898.
وتضيف ماريا روسا مادارياغا موضحة أن إسبانيا خلال تلك الحقبة "كانت قوة من الدرجة الثانية" ولذلك "عمدت إلى احتلال شمال المغرب مدفوعة من انجلترا للحيلولة دون استفراد  فرنسا بالمغرب".
وبخصوص الحقبة الجمهورية أشارت مؤلفة الكتاب إلى أنه :" في تلك الحقبة كان يُتطلع إلى القطع  مع التعاطي العسكري مع منطقة الحماية شمال المغرب والانتهاء منه وتحويل الإدارة العسكرية القائمة إلى إدارة مدنية " ،إلا أنها، تضيف " اصطدمت بقلة الموارد المالية بسب الأزمة التي كانت تعرفها البلاد أنذاك وقصر الوقت" حيث لم تستمر الجمهورية إلا فترة قصيرة  قبل ان ينقلب عليها العسكر .
وفي سياق بلورتها لخطاب نقدي مواز داخل كتابها  يدعو لتجاوز النظرة التقليدية للآخرة  المغربي بغرض فهمه على نحو صحيح، شددت مدارياغا على أن ثمة جهلا واسعا بالمغرب يتحكم في الصورة السائدة للإسبان عن الجار الجنوبي" وأبرزت في المقابل أن تلك الصور" سرعان ما تتلاشى بمجرد امتلاك معرفة حقيقية بالمغرب والمغاربة".
وكانت المؤرخة الإسبانية على هامش تقديهما لكتابها بمدريد تطرقت إلى ملف الصحراء المغربية، باعتباره واحدا من الملفات المرتبط أيضا بتاريخ الوجود الاستعماري الإسباني بالمغرب، والتي ربطت إشكال فهم هذا الملف بفهم تاريخ المغرب،  قد أكدت على أنها "تدعم تمكين الصحراويين من حكم  ذاتي موسع في المغرب".
وبالعودة إلى كتاب :" المغرب هذا المجهول، تاريخ مختصرللحماية الإسبانية" التي نشرته دار"ألينثا إديتوريال ، فإنه يوفر مادة تاريخية وتحليلة مهمة للعلاقات المغربية الإسبانية لحقبة من تاريخ المغرب وخصوصا على عهد الحماية الإسبانية،  لكنه على خلاف ما يشير إليه عنوان الكتاب، حيث يوحي بسعي لكشف معطيات أخرى عن واقع المغرب باعتباره ذلك المجهول، إلا أن الكاتبة  ماريا روسا مدارياغا ظلت أسيرة ملاحقة ومعالجة الوجود الإسباني في شمال المغرب نمركزة على الإسبان، من دون التطرق  بعمق أكبر للحياة العامة للمغرب خلال فترة دراستها. ويبقى التحدي النقدي الذي يواجهه الكتاب هو ما إذا كان متنه يوفر مادة شافية وكافية لسد وإشباع ما وصفته هي بجهل الإسبان للمغرب
 .